الشيخ محمد الصادقي

235

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

فإبراهيم الخليل يصوِّر هنا في حجاجه صورة التحري عن ربه في مظهر الشاكِّ بديلًا عمن كانوا يعبدون هذه الاجرام ، ف « هذا ربى » هي من مقالتهم وهو ينقلها لينقلهم منها إلى الذي فطر السماوات والأرض . فمهما كانت « هذا ربى » اشراكاً ممن يعتقده ، « فلم يكن من إبراهيم شرك وانما كان في طلب ربه وهو من غيره شرك » « 1 » « وانَّه من فكر من الناس في مثل ذلك فإنه بمنزلته » « 2 » فالشك المتحرى عن يقين هو شكٌ مقدَّس فيعتبر من الايمان ، والشك المدنَّس هو الجامد الجاحد دون أي تحرٍ الَّا تجرياً على الحق المرام . ثم إن هذه الطريقة هي أقرب إلى الدعوة والانصاف في الحجاج ، وأبعد عن الشغب والاعتساب ، وليس كذباً محرماً لأنه في مقام الاصلاح والافصاح عن الحق المرام ، ثم وقصد الاستنكار وان لم يظهر يخرجه عن الكذب إلى التورية حيث ورَّى بصورة الاخبار والقصد هو الاستنكار . ثم وهذه الأُفولات الثلاث كانت براهين على بطلان ثالوث الربوبية للنجم والقمر والشمس بحكم الفطرة الحكيمة الحاكمة في كل قليل وجليل . فلأن الفطرة تحب الكمال المطلق حبَّاً في حقل الربوبية ، ولا تجد مطلوبها في هذه الكائنات ، فليكن مطلوبه خارجاً عن عالم الحس والحيطة العقلية . فإبراهيم المتحرى عن ربه في مجالة الحوار ، لمَّا لا يجده في كوكب يلمع ولا في قمر يطلع ، ولا في شمس تسطع ، فبأحرى لا يجده فيما دون هذه المشرقات مهما شرَّق وغرَّب ، فهو واجده في فطرته أنه لا حدَّ له ولا أفول ، فليس هو مالَه حد وأفول . وهكذا يلقى إبراهيم عصاه في حران بين عبدة الأصنام عساه يجد آذاناً مصغية وعقولًا ناضجة غير معقولة بطوع الهوى ، فاختار لرشدهم حجاج التجاوب بين الفطرة والعقل

--> ( 1 ) - / نورالثقلين 1 : 737 من تفسير القمي وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول إبراهيم « هذا ربى » اشرك في قوله : هذا ربى ؟ فقال : لا . بل من قال هذا اليوم فهو مشرك ، ولم يكن . . . ( 2 ) - / المصدر 738 في تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال في إبراهيم عليه السلام إذ رأى كوكباً قال : انما كان طالباً لربه ولم يبلغ كفراً وانه من فكر . .